السيد كمال الحيدري

53

الإنسان بين الجبر والتفويض

هكذا تتعاضد النصوص التي تثبت دون لبسٍ صحّة انتساب هذه النظرية إلى الأشعرية كاتّجاه عام ومذهب كلامي في حياة المسلمين . وتبدو هذا العقيدة نتيجة طبيعيّة ومنطقية لإنكار هذا الاتّجاه نظام السببيّة ، فمع هذا الإنكار لا يبقى معنى لنسبة شيء إلى ما سوى الله سبحانه ، ومن ثمّ فإنّ هذه الأفعال هي فعل الله سبحانه مباشرة ليس للإنسان فيها دور ، أو بحسب التعبير العلمي لبعضهم : إنّ الإنسان ليس مصدراً للفعل بل هو محلّ له . على أنّه ينبغي أن نلحظ بأنّ اتّفاق هذا الاتّجاه على أصل المسألة لم يمنع من الاختلاف في التفسير والتنظير داخل صفوفه ، ليفتح الطريق إلى بروز تيّارات متفاوتة في هذا الوسط . يبدو أنّ هذا المعنى كان ماثلًا أمام محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني ( ت : 548 ه - ) حين قال عن الجبر والجبرية ما نصّه : « الجَبْر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الربّ تعالى . والجبرية أصناف : فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا . والجبرية المتوسّطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثِّرة أصلًا . وأمّا من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل وسمّى ذلك كسباً ، فليس بجبريّ » « 1 » . لكن سيتّضح عند استعراض

--> ( 1 ) الملل والنحل ، تأليف : أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني ( 479 - 548 ) ، تحقيق : محمد سيد گيلاني ، دار المعارف ، بيروت - لبنان ، نقلًا من السبحاني : ج 1 ، ص 85 .